الرئيسية فيتشر
" باحثًا عن الأمان فصار باحثًا عن الربح"... من هو السمسار؟
كتب أروى أحمد عاصم
2021-10-24 15:36:23

يجلس في الدور الأول من عمارة شارف تشطيبها على الانتهاء، المبنى في موقع جيد، ويطل على ميدان حيوي، متوقعًا الكثير من السائلين والزبائن المحتملين، يجلس على كرسي بلاستيكي أمامه طاولة من نفس نوع الكرسي، ليشكلان مكتباً مترجلًا، لا يجلس فارغًا، في يديه الهاتف يتكلم، ويجيب عن الأسئلة، ينشر الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وينتظر التعليقات، ولا ينسى تحديد نسبته الواضحة لأن "ما أوله شرط آخره نور"، إنه هو "السمسار".
قادر على حمل الماء بالغربال، وفحت البئر بإبرة، ويعوم في شبر ماء، يخرج بمصلحته من أي عمل، فإن رميته في البحر، لخرج وبفمه سمكة، يفكر، ويدبر، ويحسب الحسابات حتى في الهناء يبات، يخلق من الفسيخ شربات، ويلعب بالبيضة والحجر، وكله من متطلبات المهنة التي تطلب مهارة في معرفة الزبون وتقديم ما يحتاجه له، وشطارة في إقناعه به
" أنا ابن سوق، أعرف ما به، وخباياه، وأساعد الناس ليصلوا لمبتغاهم بسهولة، فكل إنسان له ما يناسبه، وأنا أساعده ليجده"، ولكن هذه العملية لا تتم بسهولة كما وصفها السمسار، فيجب عليه أن يدقق الزبون ليعرف ما يحتاجه، فكل فولة ولها كيال، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع، وهو واعٍ لهذا، فيعطي لكل زبون شكله.
أعطي الخبز لخبازينه ولو أكلوا نصفه، وإن كانت النسبة المحددة في القانون لا تزيد عن 2.5% للسمسار، وإن كان سمسار اليوم يطمح لهذه النسبة، فإن سلفه الأول لم يكن يرغب إلا بالحماية، حيث بدأت المهنة في الجزيرة العربية، بالاتفاقية التي عقدها هاشم بن عبد مناف جد الرسول صل الله عليه وسلم، مع القبائل العربية لضمان أمان القوافل التجارية المكية المنتقلة من مكة إلى الشام، وكان العقد أن تحمى القبائل القافلة وتخدمها مقابل أن تذهب القافلة بالبضائع للشام ، وتبيعها ثم تأتي برأس المال كاملًا مع الربح في رحلة العودة.
وكانت تلك المحاولة من هاشم بن عبد مناف لحماية اقتصاد مكة من أزمة عصفت به، لكنها حولتها لمركز اقتصادي قوي، وأرست المهنة الجديدة، وحتى زمن الرسول (صلّ الله عليه وسلم) كان التجار في المدينة يسمون السماسرة فأسماهم التجار، "عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ".
فتكونت مهنة السمسار بين الباحث عن الأمان بالأمس والباحث عن الربح اليوم ، وساءت سمعتها بين المحتال حلو اللسان بعيد الإحسان الذي كثر، والخدوم سيد القوم الذي ندر، وربما تختفي بعد انقضاء حاجتها بظهور مواقع التواصل الاجتماعي، أو تتحول لشكل مختلف، لكن في كل الأحوال عند حصول الزبون على حاجته، والسمسار على نسبته، لا يبقى بين الخيرين حساب.

التعليقات

سياسة نشر التعليقات
· تحظر التعليقات التي تتضمن مساسًا بالسمعة الشخصية وكذلك التجريح والسب والإهانة.
· وجوب احترام حرمة الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية
· يمنع أي تعليق يطعن في عقائد الآخرين أو أفكارهم، أو يقوم بتسفيهها.
· يمنع اي تعليق يحض على الكراهية لشخصيات طبيعية أو اعتبارية سواء بسبب الجنس أو الدين أو المعتقد أو العرق
أو العمر أوأي محدد آخر من محددات الهوية، أو يحض على الفتنة الطائفية.
· تمنع المشاركات التي تحتوي على مشاهد عري أو دعاوى إباحية أو رسائل بذيئة .
· ممنوع نشر الإعلانات أو الروابط الترويجية.
· يحظر إضافة المشاركات التي تحتوي على معلومات للتواصل الشخصي كأرقام الهواتف والبريد الإلكتروني.

أكتب تعليقك



السفر هوايته والحقيبة رفيقته.. رحلة أحمد حجازي في أوروبا..

من بيع الخضروات للكتب.. وتنام بجوار بضاعتها في الشارع >>الحاجة إل..

من العمارة للشخصيات الكرتونية.. مي مهندسة الصبح وميك أب آرتيست با..